نصائح: الإنقاذ البارد…. كيف أعاد الأطباء الحياة إلى قلب متوقف؟

في الثاني والعشرين من يونيو 2008، وقبل إنهاء فترة دوامها عصرا، شعرت بام باركو ذات الستة والأربعين عاما ببعض التشوش والأرهاق، استندت برأسها إلى مكتبها، وغابت عن الوعي قليلا، حتى لاحظ زملاؤها توقفها عن التنفس، كانت بام محظوظة لعملها في مستشفى فيلادلفيا للأطفال وقربها من مركز بين لعلوم الإنعاش (Penn Center for Resuscitation) حيث يعمل الطبيبان لانس بيكر وبنجامين أبيلا، كانت الأعراض تنبأ بوجود سكتة قلبية بسبب توقف القلب تماما عن الخفقان، أستخدم الأطباء كعادتهم في مثل تلك الظروف جهاز صدمات القلب الكهربائي محاولين إنعاش القلب، مرة بعد مرة، ومع تزايد القلق، أستجاب قلبها أخيرا ولو على أستحياء.

الحالات والإحصاءات

وفي الأحوال المعتادة، فإن 9 من كل 10 مرضى بالسكتة القلبية يتم إعادة النبض إلى قلوبهم بواسطة الصدمات يموتون داخل المستشفى، فكل دقيقة تمر بلا قلب ينبض ويضخ الدماء، يمنع الدماء والأكسجين عن الوصول إلى الدماغ ويحرم الخلايا من الطاقة، لذا فقد قرر طبيبا فيلادلفيا أن يبدآ في علاج السيدة باركو فورا بطريقة التبريد (Cooling Resuscitated)، بدأت الممرضات تجهيز المريضة، فعلى الرغم من أن قلب باركو كان ينبض، إلا أن ضغط دمها كان منخفضا بشكل خطير، ولم تكن تحصل على الأكسجين الكافي، لذا فقد أدخل الأطباء أنبوب تنفس إلى رئتيها، وعندما سمحت الحالة بالتحرك تم نقلها من غرفتها إلى وحدة عناية القلب.

حالة باركو

في البداية أعدت الممرضة جيمي ويللر كل شئ، أعطت باركو مسكنا جعلها تغب في نوم عميق، ودواء آخر لإزالة الرعشة المحتملة في جسدها، ثم علقت لها المحاليل، ولفت جذعها وساقيها بكيس يتدفق خلاله الماء البارد بأستمرار، في الصباح كانت درجة حرارة باركو قد وصلت إلى 91 فهرنهايت (نحو 32 سيلزيوس) كما كان قصد الأطباء.

كان الإجراء الذي يتبناه الطبيبان بيكر ومساعده في محاولة لتحجيم الضرر الذي سيصيب دماغ المريضة، ففكرة العلاج بالتبريد تتبنى على أن التلف الذي يحدث في أنسجة القلب والدماغ ليس نتيجة لتوقف القلب، ولكنه بالأحرى نتيجة أستئناف القلب المفاجئ لخفقانه، وردود الأفعال الطبيعية التدميرية التي تحدث نتيجة رجوع الأكسجين، لذا فإنه يتم تبريد الجسم لإبطاء تلك العملية.

يقول الطبيب بيكر إن تلك الفكرة كانت تحمل تأصيلا نظريا وضعه أطباء القلب في عقد الخمسينيات، وقد كانت تجاربه – أي بيكر – هي أول التفسيرات التي قدمت على مستوى العمل على الخلايا، لقد أختبر بيكر بعض الخلايا تحت الميكرسكوب، ومنع عنها الأكسجين لساعة كاملة، وعندما زودها بالأكسجين لثلاث ساعات، تدمرت 4 بالمائة من الخلايا، وسجلت 73 بالمائة أخرى حدوث إصابة لها، مما جعله يوقن أن ذلك التدمير يرتبط بالإعادة المفاجئة للأكسجين، ويكون القلب والمخ أكثر الأعضاء تأثرا بغياب الأكسجين.

التجارب التالية

في التجارب التالية كان على بيكر أن يترك الخلايا في حاضناتها حتى درجة حرارة منخفضة، مما أعطى نتائج مختلفة عن موت الخلايا، وذلك لأن الخلايا يقل نشاطها عند درجات الحرارة المنخفضة.

كان على بيكر أن يختبر نتائجه عمليا، لذا فقد بدأ في عام 1999م بحيوانات التجارب، وفي عام 2002م نشر أطباء من أستراليا وأوروبا أولى نتائج لتجارب على البشر أظهرت أنه تم إنقاذ مريض من بين كل خمسة مرضى كان مصيرهم المحتوم معروفا سلفا.

في 2003 بدأ يبكر بتطبيق ذلك على مرضاه بشيكاجو، وفي 2005 شاركه أبيلا في وضع الخطوط الإرشادية لتلك التقنية في منظمة القلب الأمريكية (American Heart Association)، وعلى الرغم من ذلك القبول الرسمي، لكن ما زال 26% فقط من المستشفيات والأطباء في أمريكا يمارسون ذلك العلاج البارد، وعلى الرغم من الإرشادات والنصائح المقدمة للأطباء بضرورة تبني وأستخدام تلط الطريقة مع مرضى السكتة القلبية، فما زالت الأغلبية العظمى لا تخوض في الأمر كما ينبغي.

أما السيدة باركو فقد كان قلبها يخفق بضعف في أوائل مراحل التبريد، داوم الأطباء على مراجعة الضغط، ودرجة الحرارة لتجنب حدوث أنتكاسة مفاجئة، ثم تم تخفيض المحاليل، وبعد ذلك بدأت درجة حرارتها في العودة لمعدلاتها الطبيعية، وبعد أربعة أيام من الغياب عن الوعي، ومواجهتها لبعض الصعوبات في التنفس، تبدد قلق الأطباء بخصوص حدوث تلف في أي من أجزاء الدماغ عندما أستفاقت لعدة ساعات تحدثت خلالها إلى أطفالها، وخرجت إلى الحياة مرة أخرى بعد ثلاثة أسابيع.

عن ياسمين (كاتبة معتمدة في موقع نصائح)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *